لسان الدين ابن الخطيب

مقدمة المحقق 11

الإحاطة في أخبار غرناطة

توفي سلطان المغرب في ربيع الآخر من عام 774 ه فقد ابن الخطيب حاكما مخلصا يحميه من أعدائه ، فلجأ إلى الوزير أبي بكر ابن غازي ، الذي تولّى أمور الدولة ريثما يكبر ابن السلطان الطفل السعيد . وانتقل ابن الخطيب والوزير ابن غازي من تلمسان إلى فاس ، فقام الثوّار واقتحموا مدينة فاس ونادوا بولاية أحمد ابن السلطان أبي سالم ، فأذعن ابن غازي لمطالبهم ، فخلع الطفل السعيد ، ودخل أحمد البلد وجلس على العرش ، وذلك في أوائل محرم من العام 776 ه . عندئذ تحقّق لسلطان غرناطة ما يريده ، فقبض سلطان المغرب الجديد على ابن الخطيب ، وأودعه السجن ، وأخبر الغنيّ بالأمر ، فأرسل الغنيّ وزيره ابن زمرك إلى فاس ، فأحضر ابن الخطيب في مجلس شورى ، ووجّهت إليه التّهم المذكورة ، وامتحن بالعذاب . وبرغم دفاعه عن نفسه وظهور براءته من تهمة الزندقة ، فقد أعيد إلى السجن . ثم دسّ إليه خصمه الوزير سليمان بن داود بعض الأوغاد من حاشيته ، فطرقوا السجن ليلا وقتلوه خنقا . وفي اليوم الثاني أخرجت جثّته ودفن في مقبرة باب المحروق ، أحد أبواب فاس القديمة . ثم أخرجوه في اليوم الثالث من القبر ، وأشعلوا من حوله النار ، فاحترق شعره واسودّت بشرته ، ثم أعيد إلى القبر قبل أن يحترق ، وذلك في ربيع الأول من العام 776 ه « 1 » . وما يزال قبره قائما في باب المحروق بفاس في ضريح صغير عليه هذه العبارة : « هذا ضريح العلّامة لسان الدين ابن الخطيب » . ولم يتخذ ابن الخطيب النثر والشعر وسيلة للتكسّب ، بل كتبهما ليظهر مواهبه ، ويتمشّى مع مفهوم العصر ، الذي كان يفرض على كل أديب أن ينثر وينظم . امتلك ناصية الأدب ، شعرا ونثرا ، فكان له نثر مستملح غلب عليه السّجع وجمع بين دقّة الصّنعة ورقّة الطّبع ، وشعر برع فيه ونبغ ، سواء في القصيدة العربية الكلاسيكية أو في فنّ التوشيح ، حتى انتهت إليه رئاسة هذا الفن ، وصار من ألمع شعراء وأدباء عصره ، ما دفع ابن خلدون إلى القول : « ونبغ في الشعر والترسّل بحيث لا يجارى فيهما » « 2 » . وأضاف : « وكان الوزير ابن الخطيب آية من آيات اللّه في النظم والنثر ، والمعارف والأدب ، لا يساجل مداه ، ولا يهتدى فيها بمثل هداه » « 3 » . كما عدّه ابن الأحمر « شاعر الدنيا ، وعلم المفرد والثّنيا ، وكاتب الأرض إلى يوم العرض . . . » « 4 » .

--> ( 1 ) خبر مقتل ابن الخطيب في كتاب العبر ( م 7 ص 707 - 710 ) ونفح الطيب ( ج 7 ص 105 - 107 ) وأزهار الرياض ( ج 1 ص 229 - 231 ) . ( 2 ) كتاب العبر ( م 7 ص 689 ) . ( 3 ) المصدر نفسه ( ص 959 ) . ( 4 ) نثير فرائد الجمان ( ص 243 ) .